عبد السلام مقبل المجيدي
122
تلقي النبي ( ص ) الفاظ القرآن الكريم
إلى ( بيان الألفاظ ) بيانا واضحا مستمدا من عربية اللسان من حيث العموم ، وهيئة تلاوة القرآن من حيث خصوص كونه قرآنا ، فتأويل ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ " بتفهيم ما أشكل عليك من معانيه " « 1 » قصر لعام بغير دليل ، وتخصيص للمعنى بغير مخصص ، على أن الأنسب والأوفق للمقام الكلام على اللفظ قبل المعنى " فإن الكلام له لفظ ومعنى ، وله نسبة إلى الأذن والقلب ومتعلق بهما ، فسماع لفظه حفظ الأذن ، وسماع حقيقة معناه ومقصوده حظ القلب " « 2 » ، وكلاهما مراد بيانه ، والأول أولى لأنه طريق إلى الثاني الذي هو الغاية من الأمرين ، قال ابن كثير في قوله سبحانه وتعالى ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ : أي بعد حفظه وتلاوته ، نبينه لك ونوضحه ، ونلهمك معناه على ما أردنا وشرعنا " « 3 » . وثاني فائدة تؤخذ من هذه الآيات مما يتعلق باللفظ : أن الحفظ للألفاظ مقدم على استلهام المعنى وبيانه « 4 » ، وهي القاعدة المستنتجة من قوله عزّ وجل ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ ، فليس المعنى سابقا للحفظ ، والمراد ليس إيجاد المعنى : إذ هو قبل اللفظ في حيز العدم والخفاء ، وليس المراد استحضاره في الذهن ، وهو يدل من جهة أخرى على أهمية ضبط اللفظ ، لا على ما زعم من أن المعاني الأولية هي المقصودة بقطع النظر عن قالبها ، وهي ما سمي أصوليا بالمعاني الثانوية « 5 » ، ثم كانت هذه التسمية ، وذا التقسيم سببا في التهوين من الجانب اللفظي للكلمات . . . وبذا استبان غرور من ادعى سبق الاهتمام بالمعنى ، وقد يسلّم في أن المعنى يسبق اللفظ من حيث الوجود النفسي ، ولكن الكلام هنا عن معنى موجود في الخارج عبّر عنه بلفظ . . . فأنّى له أن يعرف دون عبور ممره الموصل إليه وهو اللفظ ؟ ، وهذا
--> ( 1 ) حاشية الصاوي 3 / 354 ، مرجع سابق . ( 2 ) تهذيب مدارج السالكين 1 / 70 ، مرجع سابق . ( 3 ) تفسير القرآن العظيم 4 / 383 ، مرجع سابق . ( 4 ) وهو ما رجحه العلماء في فهم الآية كما سبق ، على أن الترجيح فرع التضاد ، ولا تضاد بحمد اللّه . . . ( 5 ) واستنتج البعض هذا من فهم خاطئ لكلام الإمام الشاطبي في الموافقات 2 / 66 ، مرجع سابق ، فإنه إنما مهد بكلامه ذاك عن مسألة الترجمة للقرآن .